فوج فرسان القبرديه
- Dr Ali M. Kasht
- ٢٢ يوليو ٢٠٢٣
- 4 دقائق قراءة
فوج فرسان القبرديه
توجهت السلطة القيصرية بعد إتمام احتلال القفقاس وانتهاء الحروب الروسية-الشركسية في العام 1864 إلى محاولات اخماد الانتفاضات التي قام بها الشراكسة، رغم تلاشي اعدادهم بعد تهجير النسبة الأكبر منهم إلى الدولة العثمانية، وبالتوازي مع قمع الحركات المتمردة عمدت إلى تنفيذ سياسة أخرى تعتمد على استغلال إحدى أبرز النقاط التي تميز النظام الاجتماعي الشركسي ألا وهي التربية الأرستقراطية العسكرية التي حكمته لسنوات طويلة، ولذلك و خوفًا من استرداد الشعب الشركسي لهذه الميزة قامت باحتواء وصهر وصقل هذه الطبيعية العسكرية للشعب الشركسي في بوتقة المجتمع الروسي من خلال تجنيد عدد من أبنائه في الجيش القيصري الروسي وكانت بداية في الحرب الروسية-اليابانية (1904-1905) والتي شهدت اول مشاركة فاعلة من قبل الشراكسة ضمن صفوف الجيش الروسي القيصري ونظرًا للشجاعة والقدرة القتالية العالية التي اظهرها المجندين الشراكسة بدأت تتبلور فكرة تشكيل قوة عسكرية في الجيش القيصري تكون معنية بالمهام الخاصة الصعبة أي ما يعرف حاليًا بأسم: القوات الخاصة، ولذلك و مع بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914 عادت فكرة الاستعانة بالقوة العسكرية الشركسية لأذهان صانع القرار القيصري حيث امتلك الشركس ترتيبًا للقطع العسكرية و تسلسلًا في الرتب يماثل تلك التي ظهرت لاحقًا في الجيوش النظامية فمثلًا كان هناك تقسيمات مثل:
١- واردة: قطعة عسكرية كبيرة/уардэ (فرقة عسكرية)
٢- واردة تيت: قائد القطعة العسكرية الكبيرة/Уардэтет (قائد فرقة)
٣- غوارتة: قطعة عسكرية متوسطة/Гуартэ (كتيبة)
٤- غوارتة تيت: قائد كتيبة/Гуартэтет
٥- ماردة: سرية/мардэ
٦- ماردة تيت: قائد سرية/Мардэтет
ولهذا شُكل بموجب المرسوم القيصري بتاريخ 13/8/1914 قوة عسكرية تحت اسم وحدة سلاح الفرسان الوطنية ولقبت بـ"الفرقة الضارية" مكونة من أبناء قوميات شمال القفقاس الأصلية واختير الاسم للدلالة على شراسة وشدة بأس منتسبي هذه الفرقة والتي قسمت إلى ستة أفواج يتكون كل فوج من أربعمائة مقاتل وتمثلت بالقوميات التالية: الشركسية (الاديغية)، القبرديه، الداغستانية، الشيشانية، التترية (من سكان أذربيجان)، الانغوشية.
وأصبح فوج الفرسان القبرديه أول وحدة سلاح فرسان محلية متطوعة في القفقاس، وضم في بداية تشكيله 505 فارسًا في الفوج، من بينهم 415 قبرديًا و 90 من البلقار.
ويُلاحظ هنا انه ورغم وضع قوميات أخرى ضمن صفوف الفوج الا انه احتفظ بتسميه "القبرديه" نظرًا لاستمرار نظرة القيصرية الروسية القديمة التي كانت ترى أن هذه المناطق كانت تحت هيمنة الشراكسة من القبرديه وخضوع بقية الشعوب الأخرى لهم قبل الاحتلال الروسي القيصري لامارة القبرديه.
تم تحديد زي عسكري خاص بهذا الفوج الذي تزايد عدده في السنوات التي تلت تأسيسه.
قام الفوج بدور نشط في المعارك على الجبهة الجنوبية الغربية ضد جيوش النمسا والمجر وألمانيا ففي 18 تشرين الثاني 1914، عبر فوج الفرسان القباردي الحدود النمساوية الروسية السابقة وخاض ضباط وفرسان الفوج معركتهم الأولى في ليلة 17-18 كانون اول 1914 بالقرب من قرية فيتلينو في منطقة الكاربات ونفذت ثلاثمائة فارس من الفوج تحت قيادة الكولونيل فورونتسوف-داشكوف هجمات ضد أربع سرايا من القوات المجرية التابعين للجيش السبعين انتهت معركة بعد 9 ساعات بطرد القوات المجرية من القرية، وتم أسر 15 أسير.
وشارك الفوج في معارك مختلفة طوال الحرب ففي 26 ديسمبر شارك الفوج كجزء من اللواء الأول في المعركة بالقرب من قرية بيريجي جورن، وفي 10 يناير 1915 في معركة بالقرب من قرية بيرجكي، في نيسان 1915، تم إرسال الفوج لحماية الضفة اليسرى لنهر دنيستر، وفي 5 ايار دافع الفوج عن قريتي كارلوف وفيدينوفو، وفي 25 ايار تصدر الهجوم الذي سمح للقوات الروسية بالتراجع بطريقة منظمة إلى الضفة اليمنى للنهر بروت، وفي 22 ايار 1916 تمكن الفوج من طرد النمساويين، مع بداية اختراق تحصينات مدينة بروسلاف. وفي 29 ايار قاتل فوج القبرديه على الضفة اليسرى لبروت، حيث هاجم مواقع المجريين والنمساويين بالقرب من قرى لوزاني وشبينيتسا وألتمايشتي ونتيجة لذلك أسر الفوج 1320 أسيرًا (13 منهم ضباطًا) وحقق نجاحاً تكتيكيًا كاملًا.
في نهاية ايلول 1916، تم نقل الفوج للجبهة الرومانية المشكلة حديثًا من منطقة ستانيسلافوف إلى وودي كارباتيان، ودخل الفوج في معارك مع الألمان في منطقة الكاربات الشرقية، بالقرب من مدينتي رومان وباكيو وتمكن من الصمود في مواقعه.
في تشرين الأول و الثاني 1917، تم سحب الفوج إلى الخطوط الخلفية لحماية انسحاب قطعات الجيش القيصري
وجدير بالذكر بانه ومع اندلاع الثورة البلشفية لم تؤثر في الانضباط في فوج الفرسان القبارديين، و في بداية حزيران 1917، كان هجوم الجبهة الجنوبية الغربية قيد الإعداد لذلك أصبح الفوج جزءًا من فيلق الجيش الثاني عشر للجيش الثامن وتم نقلها على عجل إلى غاليسيا، في منطقة مدينة ستانيسلافوف، وفي 25 حزيران شن الفوج هجومًا من ستانيسلافوف إلى مدينتي كالوش ودولينا، وفي 29 حزيران، وقعت معركة بالقرب من كالوش، وتم صد الهجوم الألماني المضاد من قبل فرسان الفوج القبرديني، وبحسب الخبراء العسكريين وعند تحليل هذه المعركة، يجب على المرء الانتباه إلى الخطورة والشجاعة العالية التي تحلى بها الشراكسة هنا حيث كان هناك نقص تام في دعم المدفعية مع تفوق نيران مدفعية العدو الساحقة، كما كانت الاجنحة مفتوحة، والتفوق العدديالواضح للمشاة الألمانية، وعلى الرغم من كل هذا، فإن الفوج القبرديني لم يوقف تقدم العدو فحسب، بل أجبره في بعض الأماكن على التراجع إلى مواقعها الأصلية.
في أوائل تموز 1917، من أجل تعزيز الجبهة المنهارة، تم نقل الفوج إلى الجيش الحادي عشر ومن في شهر اب تم إعادتها إلى القفقاس.
إذا تحدثنا عن إنجازات الفوج القبرديني خلال سنوات الحرب العالمية الأولى، فإن الحقائق التالية جديرة بالملاحظة: "في عام واحد فقط، نفذ الفوج 16 هجومًا لسلاح الفرسان -وهو مثال غير مسبوق في التاريخ العسكري بالإضافة الى عدد الأسرى الذين تم أسرهم- وتحقيق الانتصار خلال اربع معارك رغم التفوق العددي للعدو الواضح ولذلك حصل حوالي 3500 فارس على اوسمة القديس جورج وميداليات سانت جورج للشجاعة، وترفيعهم إلى الرتب العسكرية الأعلى.
الا انه و بعد الثورة البلشفية و في شهر آذار من العام 1918 تم حل فوج الفرسان القبرديه.
شًكل الفوج القبرديني مفهومًا جديداً يضاف إلى تاريخ العلاقة المعقدة بين الشعب الشركسي والدولة الروسية والتي أصبح لزامًا علينا في الوقت الحاضر إعادة تفسير و دراسة هذه العلاقة و ترتيبها بالشكل الذي يخدم المصلحة الشركسية مؤكدًا على الدور الكبير الذي لعبه فوج الفرسان القبرديني في وضع الشعب الشركسي على خارطة توزيع المكتسبات في الدولة الروسية وخروجه من وضعية الشعب المحتل والضحية إلى لاعب فاعل وهام في المنظومة الداخلية لهذه الدولة الروسية وفق الامكانيات والقدرات المتاحة للشعب الشركسي بدلًا من انتظار تحرك الآخرين لانصافه او ترسيخ لغة الشكوى التي لا تجدي نفعا في نفوس ابنائه، ان العمل على افتراض البحث عن القوة حتى و ان كان ضمن فضاء الدولة الروسية سيعمل على إمتلاك للقوة المناسبة التي يمكن له استخدامها في اللحظة المناسبة و القضية الشيشانية مثال على ذلك.
الدكتور علي كشت
ملاحظات:
١- يختلف فوج الفرسان القبرديه عن فوج القبرديه التي تم تأسيسه إبان الحرب الروسية-الشركسية وحمل اسم منطقة القبرديه فقط لا غير وكان مكون من جنود روس بالكامل وتصادف وجود ضباط بعدد قليل للغاية من القبرديه فيه.
٢- للاطلاع على رتب العسكرية الشركسية و مسمياتها راجع الرابط التالي:
المراجع
١- تاريخ جمهورية قباردينو - بلقاريا الاشتراكية السوفياتية المتمتعة بالحكم الذاتي (من العصور القديمة حتى عام 1917)، نالتشيك، 1965.
٢- تاريخ وعلم الآثار والإثنوغرافيا في القوقاز 2020، معهد التاريخ والآثار والاثنوغرافيا، مركز داغستان للابحاث العلمية.


Comments