top of page
بحث

الحدائق الشركسية Черкесские сады

Dr Ali M. Kasht

استكمال للجهود التي تقوم بها جمهورية الاديغية ضمن إطار مشروعها للنهوض بالواقع القومي الشركسي في الجمهورية واعطاءه صفة الديمومة بصورة دائمة من خلال اضفاء الصبغة الشركسية على كافة مناحي الحياة في الجمهورية ابتداءًا من نشر رموز حضارة ميقوابه/الكوبان لإثبات اصل هذه الحضارة للشعب الشركسي وصولًا إلى الحفريات الأثرية الأخيرة التي تهدف إلى ابقاء الآثار الشركسية داخل الجمهورية وعدم نقلها إلى متحف الارميتاج كما حصل بسابقاتها، وضمن إطار ذات الجهود تم اطلاق مشروع إحياء الحدائق الشركسية/حدائق شركيسيا حيث تميزت المناطق الشركسية بوجود غابات ضخمة لكنها تضم أشجار مثمرة وكان هذا الأمر قد لفت نظر كافة الرحالة و المؤرخين وكان السؤال هو كيف تمكن الشراكسة من ترويض الطبيعية بهذا الشكل الرائع وتحولت غاباتهم في حد ذاتها إلى بساتين ضخمة تضم العديد من الاشجار المثمرة؟!

قصة الحدائق الشركسية القديمة:

وكانت الاجابة على هذا السؤال وغيره بان هذا الأمر كان نتاج التقدم والتطور في الزراعة لدى الشراكسة قديما لدرجة أصبح يسمى فن البستنة الشركسية في إشارة إلى استخدام تقنيات زراعية كانت في غاية التطور بالنسبة لذلك الزمان، إلا أن معظم هذه الغابات والبساتين الضخمة تعرضت لتدمير والتخريب بعد الاحتلال الروسي القيصري للاراضي الشركسية ولكن هذا لم يمنع من بقاء معالمها موجودة لغاية يومنا هذا.

ويصف الرحالة الأوروبيون طبيعة الحدائق المحلية المجهزة جيدًا في مؤلفاتهم التي تعود إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حيث اشاروا إلى تنوع الفواكه وذكروا أنه كان لدى الشراكسة تقليد يتمثل في تطعيم أشجار الفاكهة والأشجار البرية في الغابة حيث ساهمت المعرفة الشركسية بتكنولوجيا الزراعة في اختيار محاصيل الفاكهة والتوت المحسنة لدرجة أن بعض البساتين الشركسية التي لا مالك لها لم تجف ولم تفقد ثمارها حتى يومنا هذا حيث قام الشراكسة فعليا سنة بعد سنة بتحويل الغابات الجبلية القريبة إلى ما يسمى "حدائق الغابات ".

كرس الأكاديمي جوكوفسكي (1888-1975) سنوات عديدة لدراسة التراث البستاني الثمين للشراكسة وتوصل إلى استنتاج مفاده أنه كانت شركيسيا هي موطن القديم لمحاصيل الفاكهة الرئيسية في جميع أوراسيا، ومنها انتشرت للاخرين، العديد من المسافرين الذين زاروا شركيسيا لاحظوا الحدائق الشركسية القديمة التي سقطت في الخراب التام من ابرزهم الكونتيسة براسكوفيا أوفاروفا رئيسة جمعية موسكو الأثرية، حيث لاحظت أثناء رحلتها إلى القوقاز في عام 1886 ما وصفته بمرارة "انتشار هذا المشهد الحزين في كل مكان في العديد من المساحات المقطوعة، نرى حدائق شركسية مهملة بها العديد من أشجار الفاكهة، التي أصبحت الآن برية"، وكان احد أبرز المؤرخين للحرب الروسية-الشركسية فاسيلي بوتو قد أشار إلى أن جميع الحقول المحيطة والسفوح الجبلية المحيطة بالقرى الشركسية المهجورة كانت مزروعة بأشجار الفاكهة بالفعل في القرن العشرين.

 وكتب الأكاديمي ميشورين(1935-2014) مقالًا بعنوان بليغ “الحدائق الشركسية تنتظر اصحابها” ذكر فيها تحديدًا “لقد شكلت الحدائق الشركسية القديمة منذ فترة طويلة الثروة المذهلة حيث تمثل الغابات البرية لنباتات الفاكهة والتوت في أديغيا المصدر الأكثر حضارية قيمة للانسان في القفقاس".

الباحث والمؤرخ الشركسي سمير خوتقوة شرح سبب هذا التطور الكبير في المجال الزراعي لدى الشراكسة في كتابه المكون من مجلدين “الحدائق الشركسية القديمة” الذي صدر في العام 2005 حيث ارجع ذلك إلى المكانة التي احتلتها الشجرة في الموروث الشركسي وخاصة حضارة ميقوابه حيث مثلت الشجرة لدى الشركسي تجسيدًا للبنية المادية الكاملة للكون من عناصر جسم الإنسان إلى المكونات الكاملة للكوكب وهو ما ارتبط في الاساطير الشركسية بما يسمى شجرة الحياة حيث اعتقد الانسان الشركسي القديم بان العناية وانشاء هذه الحدائق والتي استمرت قرونًا لتزيين وطنهم بحدائق لا تعد ولا تحصى، الهدف منها هو الحلم الأبدي للبشرية جمعاء بالعودة إلى الجنة الذي فقدوه ذات يوم ومن هنا ظهرت عبادة البساتين المقدسة المنتشرة على نطاق واسع في جميع أنحاء القفقاس في قديم الزمان، كما ادى زراعة هذه الحدائق إلى تحقيق ما يسمى الأمن الغذائي الشركسي حيث كانت المنطقة الشركسية معرضة للغزو المستمر و نظرًا لعدم القدرة على الحفاظ على مصادر الغذاء فقد شكلت الغابة المأوى وقدمت الغذاء للانسان الشركسي الذي كان يلجأ لها في أوقات الأزمة والكوارث بحيث يستطيع الاختباء فيه ويجد الغذاء بالاشجار المثمرة الذي قام هو بنفسه بتركيبها وتطعيمها حتى تتحول من أشجار برية إلى أشجار مثمرة ومعمرة.

ونأمل أن تحذو بقية الجمهوريات خاصة القبردية حذو جمهورية الاديغية في الحفاظ على الحدائق الشركسية وتطوير حيث كانت الحديقة العامة في العاصمة نالتشيك والتي تعتبر من أكبر الحدائق العامة في روسيا الاتحادية تعتبر جزء من ما كان يسمى بستان حتخشوقة وهو احد الحدائق الشركسية القديمة ولذلك تسمى حديقة اتاجوكين حاليًا والتي ذكرت في العديد من الكتب و المؤلفات مثل كتاب القوقازيون الشراكسة للمؤلف يا ابراموف.

 الدكتور علي كشت



Comments


Commenting has been turned off.

نموذج اشتراك

اشترك ليصلك كل جديد!

  • Facebook
  • Instagram
  • YouTube

©2024 by Dr Ali Kasht official website.

bottom of page