نهاية اخر أمير لامارة القبردية الشركسية
- Dr Ali M. Kasht
- ١٤ يناير ٢٠٢٢
- 7 دقائق قراءة
نهاية اخر أمير لامارة القبردية الشركسية
Верховный князь Кабарды Кучук Жанхотов (1758-1830)
بدأ في العام 1763 الغزو القيصري الروسي للأراضي الشركسية بصورة حرب فعلية و ليست مناوشات او حملات كما كان سابقًا و كانت بداية الأعمال العدائية ضد إمارة القبرديه الشركسية التي كانت روسيا القيصرية و الدولة العثمانية قد اعترفت باستقلالها بموجب اتفاقية بلغراد الموقعة عام 1739 و لذلك كانت تشكل بالنسبة لها الكيان السياسي المهيمن في المنطقة و اسقاطها يعني فتح الطريق نحو احتلال كامل منطقة شمال القفقاس.
تعاقب العديد من الأمراء على حكم إمارة القبرديه الشركسية و بعد مرور أكثر من ٤٠ عامًا و تحديدا بالعام 1806 كانت إمارة القبرديه في حالة ضعف نتيجة استمرار حرب مدمرة كانت تخوضها لوحدها ضد إمبراطورية عظمى رغم الفرق الكبير في العدة و العتاد و التفوق العسكري الواضح للقيصرية للقيصرية الروسية و مما زاد الوضع مأساوية هو انتشار الطاعون بصورة مصطنعة بين سكان الإمارة مما شكل انتكاسة حقيقية للمجهود الحربي و تدمير مواردها البشرية اللازمة للتعبئة العسكرية كما قال الجنرال الروسي يرمولوف:
" لقد كان الطاعون حليفا ضد القبرديه بحيث قضى على سكان الجلاخستانيه (قبردا الصغرى) و ساهم في إفراغ قبردا الكبرى و اضعفهم إلى الحد الذي لم يستطيعوا كما كانوا من قبل التجمع في مجموعات كبيرة".
و كما يقول أحد المصادر "لم يبقى من القبرديه سوى خمسهم".
في هذه الاوضاع المزرية تولى الأمير قوشقوة جانخوت قيادة إمارة القبرديه الشركسية و كان عليه أن يوازي بين الحفاظ على التهدئة مع القوات القيصرية الروسية الغازية من جهة و دعم عمليات المقاومة الشركسية من جهة أخرى في محيط الإمارة للضغط على القوات الروسية قدر الامكان لحين تغير الاحوال و موازين القوى أن امكن، لذلك قام بالدخول في مفاوضات مع السلطات القيصرية للوصول إلى هدنة يستطيع الشراكسة في القبرديه التقاط أنفاسهم و إيقاف الحملات العقابية التي كانت تستهدف الموارد الغذائية للشراكسة و إيقاف عملية إلقاء الجثث المصابة بالطاعون في المناطق الشركسية و دعم عمليات المقاومة حتى تكون ورقة ضغط على السلطات الروسية التي امعنت في توجيه الضربات العسكرية للامارة الشركسية.
برع الأمير قوشقوة جانخوت في قيادة المفاوضات و تمكن من تشكيل حزام من القرى و البلدات التابعة له حول ضفاف نهر التيريك و قد ساعده في ذلك سمعته العسكرية السابقة و مشاركته سابقا في العديد من المعارك ضد القوات القيصرية الروسية الغازية بالإضافة الى سمعة عائلته كمقاتلين شرسين و كان أبرز مثال عليهم استشهاد شقيقه الامير تترخان المعروف بشجاعته في المعركة الملحمية في سنة 1773 أثناء محاولة الشراكسة اقتحام قلعة مزودك في معركة استمرت لمدة 12 ساعة متواصلة ، مما اقنع الجنرالات الروس بالسعي نحو احتوائه و ضمه إلى صفوفهم و توفير الجهد العسكري المطلوب في اخضاع باقي مناطق إمارة القبرديه الشركسية.
الا ان الأمير قوشقوة جانخوت الذي عرف عنه الرصانه و الحكمة و الدبلوماسية العالية في التعامل مع الجانب الروسي كان لديه ٣ أبناء كانوا مستمرين في الاغارة على القوات القيصرية الروسية فقد استشهد ابنه الأكبر محمد أثناء تبادل لاطلاق النار مع مفارز قوزاقية في عبوره لنهر بسج (الكوبان) اما ابنه الأوسط فقط استشهد أثناء هجومه على حصن جورجيفسك في عملية وصفت بالبطولية عندما تمكن و من معه من اختراق الحصن و إلحاق خسائر بشرية و مادية جريمة الا انه سقط أثناء ذلك بعد اصابته بعدة عيارات نارية، الابن الأصغر الوحيد و الباقي وريث العائلة الأميرية القديمة كان يدعى جمبولات و كان روس ينظرون إليه على أنه زعيم الأبريك/الابرج المتمردين جنبا إلى جنب مع أصدقائه المخلصين ، الأمراء الشباب قنيمات قاسي البالغ من العمر ١٨ سنة ورسلانبيك ميسوست ، شوهد جمبولات أكثر من مرة في غارات على التحصينات الروسية و المراكز القيادية للجيش الروسي والتي تشير بعض المصادر إلى انه بلغ عددها ألف هجوم و كان موضوع للقصائد و الاغاني الشعبية التي تتغنى بشجاعته.
وصل الجنرال الروسي سيء السمعة يرمولوف في عام 1816 إلى القفقاس الذي لم يكن راضيا عن ما تم الاتفاق عليه مع الأمير قوشقوة جانخوت و كان يرى أن الحل العسكري هو الخيار الامثل لانهاء الحرب الروسية الشركسية و في ذات الوقت كان يرمولوف مثل غيره من الجنرالات السابقين الذين كانوا أمراء حرب بكل معنى الكلمة فقد كان استمرار العمليات العسكرية و سقوط ضحايا من كلا جانبين مصدرا لتحقيق الثروة لهم من خلال ما اسموه المجد العسكري و هو في الحقيقة كان عبارة عن جرائم قتل و إبادة ضد الإنسانية، كما أنه كان يخشى من دخول القوة الضاربة للشعب الشركسي انذاك و هم فرسان الابزاخ على خط المواجهة و التصادم الفعلي معهم و مساعدتهم للقبرديه الذين لجأ الكثير منهم إليهم و استمروا بمقاومة الاحتلال الروسي انطلاقا من اراضي شركيسيا الغربية.
لذلك طلب من الجنرال فيليامينوف 1825 مع تهاوي إمارة القبرديه و احتلال معظم اراضيها وضع خطة للتخلص من عائلة الأمير قوشقوة جانخوت و والتخلص من حكومة المحكمة المؤقتة التي كانت موالية للحكومة القيصرية و التخلص من ابنه الامير جمبولات من خلال الغدر بهم، على الرغم من أنه وفي عام 1809 اعترفت بالامير قوشوقوة اميرا للحكومة المحكمة المؤقتة ذاتها.
أرسل فيليامينوف رسالة إلى الامير قوشقوة جانخوت للمجيء إلى قلعة نالتشيك مع ابنه مهددًا بحملة عقابية بهدف حرق القرى التي فر منها الفرسان إلى شركيسيا الغربية لمواصلة النضال وافق جمبولات و والده على القدوم إلى القلعة و طلب صديقه المخلص الأمير قنيمات قاسي الذهاب مع جمبولات.
و فعلا و في صيف عام 1825 حضر كلا من الأمير قوشقوة جانخوت مع ابنه جمبولات و صديقه الأمير قنيمات قاسي و ثلاثة من النبلاء إلى قلعة نالتشيك حيث استقبلهم الجنرال فيليامينوف ترجل الأمير قوشقوة جانخوت عن حصانه و تقدم بين الجنود الروس الذين كانوا معجبين باناقة لباسه و شخصيته القوية مرتديا العمامة للدلالة على تنفيذه لفريضة الحج و لدى وصوله إلى فيليامينوف طلب منه أن يرافقه إلى منزله و ان يترك ابنه جمبولات و صديقه قنيمات في قاعة القلعة الرئيسية وافق الأمير على ذلك و لدى جلوسه في منزل الجنرال بدأ فيليامينوف حديثه بوقاحة واضحة قائلا بأن الازدواجية في التعامل مع السلطات الروسية قد انتهى و انه اما الطاعة التامة و اما الموت و أن إمارة القبرديه الشركسية قد سقطت و لم تعد قائمة و حتى حكومة المحكمة المؤقتة سيتم حلها و لن يعود هناك أي وجود سوى للسلطة القيصرية ، نظر الأمير كوشوقوة مطولا إلى الجنرال فيليمينوف مما أدى إلى ارتباكه في كلامه و عندما انتهى من حديثه طلب منه السماح له بالرد و سمح له بذلك عندها وقف الأمير و قال له ان تكتيك الأرض المحروقة وتدمير المحاصيل الزراعية وسرقة الماشية وإحراق القرى الشركسية بالمئات و نشر الطاعون وإشاعة الفوضى بين مختلف طبقات مجتمع الشركسي في القبردي وذلك بإستضافة الفلاحين الهاربين وحثهم للتمرد ضد حكامهم أمراء القبردي وإظهار السلطات الروسية نفسها كمدافع عن الطبقات المضطهدة بالإضافة إلى الأعلان القبردي بأنه سيتم تخصيص الأرض سهلية من أراضي القبردي ومنحها لشعوب القفقاس المجاورة وبذلك سوف يتخلصون من الإعتماد على أمراء القبردي وتشجيع تلك الشعوب على المساهمة بإضعاف القبردي كل هذا استغرق سنوات طويلة من الحرب و لم يكن أمام الشراكسة سوى الدفاع عن أنفسهم و ان القيصر ذاته لو علم بما فعلتموه و ما نشر من اكاذيب بالتقارير المرفوعة من قبلكم لكنا نعيش في وضع مغاير الان و لكن هذا كان قدرنا و لا مرد لقضاء الله، صمت الجنرال الروسي فلقد علم بأنه ليس ندا لهذا الرجل بالكلام و طلب منه انتظاره لحين انتهاءه من بعض الأمور الإدارية في القلعة، الا انه توجه فورا إلى القاعة حيث يتواجد الأمير جمبولات و الأمير قنيمات و لدى دخوله القاعة و بلهجة آمرة طلب من الأمير جمبولات إلقاء سلاحه و الركوع و أداء القسم للعرش القيصري تماما كما فعل والده التابع المخلص للرداء القيصر حسب قوله ، و قام حوالي 25 جندي مع بنادقهم بمحاصرة الاميرين لبث الرعب و الخوف في نفوسهم و جعلهم يلقون السلاح و الركوع تقدم الأمير جمبولات نحو الجنرال فيليامينوف و نظر إليه بكل استحقار و قام بشتمه واصفا اياه بالكلب و الجبان و القذر ، استشاط فيليامينوف غضبا الا انه تراجع خوفا من خنجر القامة الذي كان جمبولات ممسكا به و هرع مرة أخرى إلى منزله حيث كان يتواجد الأمير قوشقوة جانخوت والد جمبولات و دخل عليه و هو يصرخ و يحدثه بما فعله ابنه و قيامه بشتمه مهددا بقتله فورا اذا لم يلقي سلاحه و أنه سيقتل كل الشراكسة في القبرديه الصغار قبل الكبار النساء قبل الرجال ، سارع الأمير قوشقوة جانخوت إلى تهدئة الجنرال و طلب منه السماح بالحديث إلى ابنه جمبولات الا انه سرعان ما سمع أصوات اعيرة نارية خرج على اثرها الأمير قوشقوة جانخوت مع الجنرال فيليامينوف إلى القاعة حيث يتواجد الأمير جمبولات و صديقه و تبين للامير أن المأساة قد وقعت و ان علم بأنه فقد آخر ابنائه .
فلقد قام جمبولات و قنيمات باطلاق النار مما أدى إلى قتل جنديان و من ثم قفز الأمير جمبولات من النافذة و قام بطعن أحد الجنود و قبل أن يطعن جندي آخر انهمر الرصاص عليه و سقط مضجرا بدمائه و هو يحاول أن يظل واقفا رغم توالي الرصاصات في جسده و طعنات الرماح من قبل الجنود الروس الاكثر عددا و المحاصرين له إلا أنه نظر إلى صديقه الأمير قنيمات الذي قام هو بدوره أيضا بالقفز من النافذة و إطلاق النار على احد الجنود الروس و قتله الا انه نال نصيبه من الطلقات النارية قبل أن يحاول أن يطعن أحد الجنود الروس بعد أن امسك بالرمح الذي طعنه به و قام بسحب الجندي اليه حتى يتمكن من طعنه الا ان زخات الرصاص اسقطته أرضا ، تبادل الاميرين النظرات الأخيرة و الابتسامة تعلو وجه كل واحد منهم ، لعلها كانت ابتسامة الفخر بهذه الصداقة التي لم يفرقها سوى الموت او لعلها كانت استعادتهم لذكريات تلك الصولات و الجولات التي خاضوها معا ضد المحتل لوطنهم ، أو كانت ابتسامة الرضى على هذه النهاية البطولية لهم ، سقط الاميرين و لفظ كل واحد منهم انفاسه الأخيرة وسط تواصل طعنات رماح الجنود الروس للتأكد من موت البطلين.
شاهد الأمير قوشقوة جانخوت نهاية ابنه أمام عينيه و اندفع من معه نحوهم الا انه امسكهم ومنعهم من سحب سلاحهم و هو يصرخ عليهم بصوت مخنوق من الالم و الحسرة ، بينما تعال صراخ الجنرال فيليامينوف و هو يلقي اللوم على الأمير قوشقوة جانخوت الذي تسبب بهذا نتيجة عدم ردعه لابنه المتهور على حد قوله و الذي تسبب بمقتل خمسة جنود روس أمام اعينه و في وسط قلعة نالتشيك دون أن يحترم اي احد و قد تلقى ما يستحقه و هو الموت ، نظر الأمير قوشقوة جانخوت إلى الجنرال فيليامينوف و قال له بكل كبرياء " من لأرض القبردي غيرنا ليموت من أجلها" و طلب من مرافقيه حمل جثمان الشهداء و مغادرة المكان استدار الامير قوشقوة جانخوت و توجه إلى مكان اقامته في محيط نالتشيك و بينما كان أحد مرافقيه يحمل جثة الأمير جمبولات حضر إليه أحد الشبان من الضباط الروس و قال له و الدموع تملئ عينيه " ارجوك اترك لي خنجره لم أشاهد شجاعا مثله" رد عليه المرافق بحرقة "تريد خنجره؟! لقد اخذتم الوطن و ترابه و سماءه و ابناؤه ...اتركوا لنا شيئا" و غادروا القلعة.
اما الأمير قوشقوة جانخوت فقد تتضاربت الروايات حول كيفية وفاته فهناك من يقول ان الأمير وافته المنية بعد مغادرته القبردي إلى مناطق الابزاخ و هناك روايات تتحدث انه بقي في القبرديه و مات فيها بعد مرور خمسة سنوات من فاجعة ابنه ، الا انه في نهاية حياته كان محمل بالاحزان فقد ابنائه و شقيقه تتارخان الشجاع و غيرهم و بقي هو لوحده ينتظر موته الا ان أكثر ما كان يحزنه هو سقوط راية و علم إمارة القبرديه الشركسية بيد القوات الروسية القيصرية تلك الراية التي استمرت خفاقة منذ العام 1758. و هكذا كانت نهاية اخر أمراء إمارة القبرديه الشركسية.
الدكتور علي محمد كشت
Comments