top of page
بحث

اعادة بناء الفكر القومي الشركسي

Dr Ali M. Kasht

تاريخ التحديث: ٢٢ مارس ٢٠٢٤




تناول المواضيع المتعلقة بالفكر وسلوك الجماعات وما يتصل بها من اختلافات وتناقضات في الطبيعة البشرية تعتبر من المواضيع التي تحتاج الى دراسة وتفسير مجموعة معقدة من الظواهر المركبة التي تستلزم جهدا عقليًا وفكريًا صعبًا، وقد تكون المسألة القومية من المسائل التي لابد من الاعتراف بالقصور الحاصل في هذا السياق لأن المفكرين لم يجمعوا على توضيح الفكرة لتأسيس الفكر القومي، وتقدم العلوم الاجتماعية التي أنتجت أبحاثًا غزيرة عن القومية تحت سطوة نظريات التحديث التي هيمنت على العلوم الاجتماعية الأميركية، فيعرض لرأي الحداثيين الوظيفيين الذين يتفقون على افتراض أن القومية مصاحبة للحقبة الانتقالية وسرعة التغيير، لأنها ستنقل المجتمعات من المرحلة التقليدية إلى المرحلة الحداثية.

لهذا سنحاول في هذه المقالة تناول المسالة القومية الشركسية من ناحية الضرورة لإيجاد تغيير في مفهومها من خلال محاور تبدأ بالمحور الاول الذي يمكن اختزاله بالسؤال لماذا يحتاج الشعب الشركسي للقومية بغية الوصول إلى قناعة تامة بأهميتها ومن ثم الانتقال إلى المحور الثاني في إسقاط بعض النماذج على الواقع الشركسي وصولًا الى المحور الاخير المفسر للحاجة الى إحداث هذا التغيير وإعادة بناء الفكر القومي الشركسي.

المحور الأول: لماذا يحتاج الشعب الشركسي القومية؟

تنطلق الاجابة على هذا السؤال الجدلي إن جاز التعبير من خلال الاقرار بأهمية الدور الذي قامت وتقوم به القومية في بناء المجتمعات والكيانات الانسانية بل وازدهارها ويمكن القول إن القومية تظل شعور إيجابي من الفرد اتجاه أبناء العرقية أوالقومية التي ينتمي لها والذين من المفترض أن يجمعهم وطن واحد، هو شعور قائم على الانتماء والولاء للمكان والجيران، مع ما يستلزمه هذا الانتماء من إيثار وتضحية إن لزم الأمر، ليست القومية مشاعر غير عقلانية يمكن محوها من السياسة المعاصرة من خلال العولمة الحديثة بكل ما تحمله من ابعاد اقتصادية أو تكنولوجية أو اجتماعية، لقد اضحت القومية إحدى المبادئ التأسيسية للعالم الحديث، وهي مقبولة على نطاق واسع أكثر مما يقر به نقادها، فمَن في الولايات المتحدة يقبل أن يحكمه النبلاء الفرنسيين؟ ومن في نيجيريا سيُطالب علنًا بعودة البريطانيين؟ مع بعض الاستثناءات، كلنا قوميون.

لم تنتشر القومية بسبب جاذبيتها في أعين النخب السياسية الطموحة فحسب، بل كانت جذابة في نظر عامة الشعب كذلك، تعهدت القومية بالمساواة بين كل المواطنين أمام القانون، وعوضًا عن جعل القيادة السياسية حكرًا على طبقة النبلاء، فتحت باب المهن السياسية للموهوبين من عامة الشعب، كما أنها لم تترك توفير المرافق العامة للنقابات والقرى والمؤسسات الدينية، بل جلبت سلطة الدولة الحديثة لتعزيز الصالح العام، كما أنهت القومية ازدراء النخبة للعامة غير المثقفة، ورفعت مكانة عامة الناس بجعلهم مصدرًا جديدا للسيادة وبنقل الثقافة الشعبية إلى مركز الكون الرمزي ساعدت القومية أيضًا على تأسيس دول الرفاه الحديثة؛ فقد أدى الشعور بالالتزام المتبادل والمصير السياسي المشترك إلى نشر فكرة أن أعضاء الأمة، حتى الغرباء تمامًا عن بعضهم بعضًا، يجب أن يدعموا بعضهم في أحلك الأوقات. تم تأسيس أول دولة رفاه حديثة في ألمانيا خلال أواخر القرن التاسع عشر بإيعاز من المستشار المحافظ أوتو فون بسمارك، الذي اعتبرها وسيلة لضمان ولاء الطبقة العاملة للأمة الألمانية بدلًا من البروليتاريا الدولية، لكن غالبية دول الرفاه في أوروبا كانت قد أُسست بعد فترات من الحماس القومي، معظمها بعد الحرب العالمية الثانية استجابة لنداءات التضامن الوطني في أعقاب المعاناة والتضحية المشتركة. (المصري: 2019)

تعود جذور القومية إلى أوروبا الحديثة، حيث كانت السياسة الأوروبية في الفترة الممتدة من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر تقريبًا تخوض حربًا ضروسًا بين الدول مفرطة المركزية والبيروقراطية دفع نظام الدولة الشاملة التنافسي والمثقل بالحروب في أوروبا بالحكام إلى استخلاص المزيد من الضرائب من شعوبهم وتوسعة دور عامة الشعب في الجيش، وهذا بدوره أعطى للمحكومين قدرة على المطالبة بزيادة المشاركة السياسية من حكامهم، والمساواة أمام القانون، وتوفير أفضل للمنافع العامة، في النهاية ظهر ميثاق جديد؛ يتعين فيه على الحكام أن يحكموا وفقا لمصالح الشعب، وإن فعلوا ذلك، فإن الشعب سيدين لهم بالولاء السياسي، والجندية، والضرائب، لقد تجلت القومية على الفور وبررت هذا العقد الجديد؛ فقد اعتبرت أن الحكام والمحكومين ينتمون إلى الأمة نفسها، ومن ثم يشتركون في أصل تاريخي ومصير سياسي مستقبلي، وبالتالي أصبحت مصالح الناس أولوية لدى النخب السياسية على مصالح الدوائر المقربة، وسرعان ما أصبحت الدول القومية الأوائل، فرنسا وهولندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، أقوى من الممالك والإمبراطوريات القديمة، سمحت القومية للحكام بجباية المزيد من الضرائب من المحكومين ووفرت لهم الثقة في الولاء السياسي. ولعل الأهم من ذلك أن الدول القومية أثبتت قدرتها على هزيمة الإمبراطوريات في ساحات المعارك، حيث مكّن التجنيد العسكري الإجباري العالمي، الذي ابتدعته حكومة فرنسا الثورية، الدول القومية من تجنيد جيوش غفيرة كان جنودها مدفوعين بالرغبة في الذود عن أوطانهم الأم، ونجد أنه من عام 1816 إلى 2001، انتصرت الدول القومية في ما بين 70-90% من حروبها مع الإمبراطوريات أو ممالك الأسر الحاكمة حيث سيطرة الدول القومية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة على النظام الدولي، سعت النخبة الطموحة في كافة أنحاء العالم إلى مضاهاة قوة الغرب الاقتصادية والعسكرية من خلال محاكاة نموذجها السياسي القومي، حتى الديمقراطية ذاتها دخلت في تشاركية دائمة مع القومية حيث استطاعت الهوية القومية أن تحل محل الهويات الأخرى، مثل تلك التي تركز على المجتمعات الدينية أو الإثنية أو القبلية، لقد قدمت القومية إجابة للسؤال الكلاسيكي المفصلي عن الديمقراطية: من هم الذين يجب أن تحكم الدولة باسمهم؟ عبر جعل الامتياز حصرا على أعضاء الأمة واستبعاد الأجانب من التصويت، في الوقت ذاته الذي وضعت فيه القومية أسسا تراتبية جديدة للحقوق بين الأعضاء (المواطنين) وغير الأعضاء (الأجانب)، مالت إلى تعزيز المساواة داخل الأمة نفسها، ولأن الأيديولوجية القومية ترى أن الناس يمثلون هيئة موحدة دون اختلافات في المكانة، فإنها قد وطدت القيمة المثلى لعصر التنوير وهي أن جميع المواطنين سواسية في نظر القانون، وبكلمات أخرى، دخلت القومية في علاقة تكافلية مع مبدأ المساواة. (Anderson: 2001)

من خلال ما سبق يلاحظ اهمية دور القومية في تاريخ بناء الدول وشعوبها بغض النظر عن اختلافها و تناقضها فهي تظل العامل الرئيسي المنظم و القادر على قيادة المجتمعات الانسانية وفق خطة مرتبة بدلًا من الفوضى والتشرذم ولان القومية ظاهرة سياسية وثقافية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالحياة اليومية من جهة، وتتصل اتصالًا راسخًا، مستمرًا ومباشرًا بواقع العالم المعاصر من جهة أخرى، فقد تطورت القومية، بشكلها الحديث، بالارتباط مع ترسيخ الحداثة، خاصة مع تغلغل الدولة في الحياة اليومية وتوحيد السكان، لكن القومية لا تفترض مسبقًا وجود الدولة وهي تزدهر بين كثير من الجماعات التي تطمح إلى الاستقلال وإقامة الدولة، كما يعبر عنها من خلال الدعوة إلى مزيد من التلاحم القومي، أو الثقافة القومية، أو الهوية القومية.

المحور الثاني: النموذج القومي

وإذا ما اتفقنا على اقرار اهمية دور القومية والفكر كعملية ناظمة لهذه الظاهرة فانه يمكننا الانتقال الى المحور الثاني لمتابعة محاولة إعادة تنظيم الفكر القومي الشركسي، وسنحاول تجاوز الطرق و الاساليب التقليدية في تعريف و تحليل هذه الظاهرة لدى الشعب الشركسي وسنحاول الارتقاء بالفكرة من خلال منحنى جديد يحاول تطبيق بعض نماذج القومية على الحالة الشركسية من اجل تفسيرها وتحليلها بصورة اكثر وضوحًا والوصول الى نتيجة منطقية قادرة على تكوين اداة فاعلة في  ايجاد معالجة صحيحة وبما يتلائم مع سياق الفكرة المطروحة، فقد ادى ارتقاء فكرة القومية بين عامي 1918-1945 إلى انتقال القومية إلى حقل الاستقصاء الأكاديمي، فكان هنالك خلط بين مفهومي الأمة والقومية، فالأمة تعبير عن القومية، وليست شيئًا يجب أن يفهم بحد ذاته، لكن العهد الحديث للقومية تجلى في خمس صور مختلفة وفقًا لتصنيف المؤرخ والدبلوماسي الأميركي (هيز) والذي سنتناول نموذجين له لاستخدامهم في اعطاء مثال عن الحالة الشركسية لغايات دراستها وتفسيرها وفق مفهومنا وتطويرنا لها والنماذج هي:

•القومية التقليدية: كان إطارها المرجعي التاريخ والتراث (العادات والتقاليد والرقص واللغة والاكلات واللباس الشعبي وغيرها)، متخذةً الصورة الارتقائية-الأرستقراطية قالبًا لها، فكونت القوة الدافعة المؤثرة في تنامي المقاومة الشعبية في أوروبا، لكن في نهايتها اندمجت فيها صورة معتدلة من اليعقوبية إلى أن اندثرت.

•القومية المتكاملة: تمثل المسعى الحصري لتحقيق السياسات الوطنية والمحافظة التامة على السيادة الوطنية، لذلك فإن مصلحة الأمة فيها فوق مصلحة الفرد، وهي قومية استبدادية في ما يتعلق بالشؤون الداخلية، ثم جاءت أعمال (هانز كوهن) عن القومية أكثر اكتمالًا، وتصنيفه استمر مدة طويلة في ميدان دراسات القومية، فقد عدّ القومية هي المنتج النهائي لعملية دمج الجماهير في نموذج أو اطار أو سياسي سياسي مشترك. (أوزكيريملي: 2013)

باستعراض الخطابات العامة لعدد من المنظمات الشركسية التي تعتبر ممثلة عن الشعب الشركسي سواء في الوطن أو المهجر والتي تختزل فيها الفكرة القومية بالحفاظ على العادات والتقاليد و تحديدا اللغة والرقص والاكلات الشعبية وغيرها من امور تتصل بالتراث فاننا سنتوصل الى نتيجة سريعة بان الشعب الشركسي يعتنق القومية التقليدية مما يجعلنا امام معادلة مخيفة تتعلق بمستقبل هذا الشعب بسبب اعتناقه لهذه القومية التقليدية التي مصيرها الاندثار كما هو موضح في النموذج أعلاه.

ولكي لا نقع في خطأ التعميم أو الاستدالال المتسرع فانه يمكننا هنا تقديم مثال للتوضيح من خلال تاريخ الشعب الشركسي نفسه حيث تم تهجير الشعب الشركسي من وطنه في العام 1864 ولدى إقامته في المهجر كان في البداية يحافظ على عاداته وتقاليده من ثقافة ولغة ورقص لانه كان يرى بان حفاظه على هذا التراث سيحمي شخصيته من الانصهار والاندثار، وهنا نلاحظ مدى التعلق بالقومية التقليدية، ومع مرور الوقت وتطور الازمنة بدات بعض اجزاء هذا التراث تتلاشى و تختفي من حياته ومنها اللغة تحديدًا ومن خلال رصد بعض سلوكيات رد الفعل الشركسي ازاء هذه المتغيرات فانه سيلاحظ توجه المجتمعات الشركسية في المهجر نحو ايجاد هيئات مجتمع مدني للحفاظ على نفسها من الانصهار في المجتمعات المحيطة فظهرت الجمعيات والمظمات الشركسية التي غالبًا كانت تحاول جاهدة التوجه نحو انشاء فرق فلكلورية راقصة وإعادة تعليم اللغة وفي كل هذه الحالات كان الاصرار على اعتناق القومية التقليدية ومحاولة احياءها قدر المستطاع رغم أن النتيجة كانت سلبية تمثلت في وجود غالبية لا تتحدث اللغة وغير ملمة بالعادات والتقاليد بل خرجت عن العرف المميز للشراكسة ألا وهو الزواج من الاخرين بصورة جماعية مما ساهم في تدهوره وفقدانه للعديد من عناصر التراث لديه، وبقي سؤال المطروح انه في حال وجود فرد شركسي يتحدث اللغة الشركسية ما هي الضمانة اتي تضمن تحدث أبناءه او أحفاده هذه اللغة مستقبلا؟ لمزيد من التوضيح فإن هناك العديد من أبناء الشعب الشركسي في المهجر والوطن على السواء لديهم قناعة بان الحفاظ على اللغة هو يعني الحفاظ على قومية الشعب أي أن اللغة هي الغاية و الوسيلة معًا ومن يتحدث اللغة الشركسية يحافظ تلقائيًا على شعبه ومن الناحية القومية تحديدًا، ولكن السؤال يعاد ألم يكن المهاجرين الاوائل يتحدثون اللغة الشركسية؟ اليس من المفترض وفق اتباع القومية التقليدية أن تحافظ اللغة على هذا الفرد الشركسي قوميا؟ إذًا لماذا لم ينقلها إلى أبناءه؟ أو أحفاده؟ لماذا تزوج من خارج مجتمعه وهو يتحدث اللغة؟ لماذا فقد اللغة والكثير من عاداته وتقاليده؟ إذًا القول بأن اللغة هي الاساس هو جزء من القومية التقليدية التي مصيرها الاندثار كما اثبتت التجربة التاريخية، ولكن وكما ذكرنا في مقالة سابقة فان اللغة هي اداة فاعلة ورئيسية في الحفاظ على القومية ولكنها ليست غاية وهنا يظهر قصور القومية التقليدية التي لا تتماشى مع عالمنا المعاصر فهي ترتكز على عناصر التراث التي يجب ان تكون أدوات وليست غايات بحد ذاتها.

ولكن يبقى السؤال لماذا هناك اصرار لدى غالبية ابناء المجتمع الشركسي على اعتناق القومية التقليدية رغم سلبياتها والمحكوم عليها بالاندثار؟ الاجابة باختصار مبالغ فيها نظرًا لعدم وجود تعقيدات بالاجابة هو ... انها اسهل ... نظرًا لغياب ذلك المفهوم الجامع الواضح للقومية الشركسية فان القومية التقليدية قدمت الحل السهل للانسان الشركسي حيث إن وفق مفهومها فان تعلم اللغة الشركسية او الرقص الشركسي أو غيره من هذه الامور من قبله ستجعله يظن بانه قد حقق غايته القومية أي انه قام بواجبه القومي وبالحقيقة فإنه يمكن تعلم المحادثة باللغة الشركسية أو تعلم الرقص الشركسي خلال سنة على أقل تقدير فهذا الامر يبدو سهلًا مقارنةً مع ما تقتضيه النماذج القومية الاخرى التي سوف نذكرها لاحقًا.

كما أن القومية التقليدية تعرف بانها "تابعة" فهي تتحول وتندمج مع قوميات أخرى بسبب سطيحة العقيدة أو الفكرة التي تقوم عليها وبالتالي يمكن ان تساق خلف القوميات أو السياسات الأقوى منها ومثال ذلك تمكن القومية العربية مثلًا من خلال غطاء الدين الإسلامي من التحكم والسيطرة بالقوميات الأخرى مع إعطاء القومية العربية موقعًا متميزًا ومتقدمًا على الأخرين وإعطاء قضاياها أولوية بحكم الدين على مستقبل القوميات والشعوب الأخرى بحيث أن القومية التي تستطيع  استثمار العامل الديني تحقق نجاحات في صهر القوميات الأضعف بل وغسل ادمغة أبنائها وتحويلهم الى تابعين متطرفين في أغلب الأحيان.

تقوم القومية المتكاملة على أسس اخرى، وهي تقتضي وجود كيان سياسي تعمل القومية بصورة برغماتية على تكيف مفهوم السيادة فيه بما يتلائم مع أهدافها، المهم هنا جمع الجماهير في إطار أو كيان سياسي مشترك وقد تكون ما حققته القومية الكردية خلال السنوات الماضية مثالًا على نجاح القومية المتكاملة، حيث ادى وجود كيان سياسي تحت مسمى الحكم الذاتي في شمال العراق إلى تحول الاكراد رغم عدم وجودهم في دولة مستقلة إلى لاعب إقليمي فعال في المنطقة، بل نجحت القومية الكردية من خلال وجود هذا الكيان السياسي في فرض اللغة الكردية والحفاظ على خصوصيتها على كامل الدولة العراقية، وأصبحت أنموذجًا يحتذى في معالجة المطالب الكردية في شرق الدولة السورية في الدعوات الى إقامة مناطق الحكم الذاتي ونتيجة إلى توفيرها الحاضنة المتكاملة للقومية أصبحت داعمة لنشاط الاكراد حتى داخل الدولة التركية، وحتى بالنسبة لبعض القوميات الصغيرة مثل القرشاي والبلقر فيمكن ملاحظة وجود مثل هذا الكيان في النهوض بقوميتها وصناعة تاريخ لها وإن كان على حساب تقليد وسرقة أراضي وثقافة الاخرين وتحديدًا الشعب الشركسي، وقد أدى استقلال ابخازيا في العام 2008 واعتراف الدولة الروسية بهذا الاستقلال الى تغيرات واسعة في مفهوم القومية لدى العرقية الابخازية التي كانت إحدى مكوناتها عرقية الاباظة تعتبر نفسها جزءًا لا يتجزأ من الشعب الشركسي وتحديدًا أصولهم من القبرديه ولكن ما بعد 2008 أصبحت القومية المتكاملة هي المسيطرة فهي كما ذكرنا سابقا تمثل المسعى الحصري لتحقيق السياسات الوطنية والمحافظة التامة على السيادة الوطنية.

إلا ان جمهورية الاديغية تشكل للشعب الشركسي مثالًا يتطابق مع القومية المتكاملة فعلى الرغم من ان الشراكسة يمثلون 24% من سكان الجمهورية إلا انهم فرضوا هيمنتهم القومية على طابع هذا الكيان السياسي تمامًا كما حصل مع القرشاي في جمهورية قرشاي-شركس، من خلال وضع العلم الشركسي كعلم لهذا الكيان السياسي وجعل اللغة الشركسية اساسية في منظومتها بالاضافة الى السيطرة على مفاصل السياسية الرئيسية في هذه الجمهورية، إلا ان ما يهمنا هنا هو كيفية عمل القومية المتكاملة في جمهورية الاديغية ولتوضيح الصورة هنا فانه يمكن تخيل الطفل الشركسي الذي يولد في هذه الجمهورية ليكبر ويشاهد العلم الشركسي وتبدأ السردية القومية الشركسية معه في السؤال عن ماهية هذا العلم وما يشير إليه وبالتالي تاريخه ولغته و خصوصية شعبه وبالتالي فان هذا الطفل عندما يكبر ستتكرر العملية هذه مع أبناءه وأحفاده بما يضمن حفاظه على لغته وتاريخه والاهم أرضه، بصورة أكبر إذا ما تمت مقارنته مع وضع الشراكسة في المهجر، بل إنه يلاحظ أن العديد من أبناء هذه الجمهورية من غير ابناء العرق الشركسي يتأثرون بهذه القومية الشركسية بحيث يقوم أبناءها مثلًا برفع العلم الشركسي كونه علم الجمهورية والافتخار به في المناسبات الرياضية وغيرها.

في ظل وجود هذه الانجازات الواقعية للقومية المتكاملة لماذا لا يتم اعتناقها من قبل الشعب الشركسي ؟

الاجابة واضحة، إذا ما تمت مقارنتها مع القومية التقليدية، فهذه القومية المتكاملة أصعب وتقتضي تضحية من قبل الفرد تتمثل في العودة والانخراط في الكيانات السياسية المتمثلة في الجمهوريات الشركسية في القفقاس التي هي جزء اليوم من روسيا الاتحادية، وهذه العودة ترتبط بمجموعة معقدة من الاستعدادات والامكانيات تبدأ من التغيير الذي يصاحب العودة في الحياة الاجتماعية للفرد المتمثلة بالابتعاد عن اقاربه وأصدقاءه مثلًا، والحياة الاقتصادية المختلفة تمامًا مثل الانتقال الى منظومة حياة اخرى تتطلب من الفرد استعدادًا كبيرًا من التكيف والبرغماتية والأهم التضحية بالكثير من الأمور، وهو ثمن ليس بمقدور الجميع دفعه أو تحمله ولهذه فإن القومية المتكاملة تعتبر أصعب في التطبيق من القومية التقليدية التي كما ذكرنا سابقًا لا تتطلب سوى مجهود يعتبر من المقدور عليه في تعلم اللغة أو الرقص أو غيرها دون إحداث ذلك التغيير الكبير في حياة الفرد الشركسي.

والجدير بالذكر بأن الاغلبية الشركسية في المهجر المعتنقة للقومية التقليدية فرضت ذات النسق من التفكير على القسم الاكبر من الجماهير الشركسية في الوطن ولكن وحدها النخب السياسية القيادية في الجمهوريات الشركسية المعتنقة للقومية المتكاملة حالت دون الانجرار وراء الأسس الضعيفة التي تقوم عليها تلك القومية المندثرة.

 

المحور الأخير: الخلاصة

ترسخت لدى الشعب الشركسي مفهوم القومية التقليدية المندثرة لأنها الاسهل من ناحية التطبيق مقارنة بما تتطلبه الممارسات القومية الاخرى من تضحيات، وتبعًا لذلك وقع العديد من التشوهات في المفاهيم والمعتقدات القومية المتعلقة بمفردة الوطن من المنظور القومي، بما انعكس سلبًا على الأهداف الجوهرية للمسألة القومية المعتادة مثل السعي نحو انشاء دولة قومية مستقلة و"مشروع العودة في الحالة الشركسية" أو وما يرتبط بذلك من المتطلبات اخرى، وانتقل تركيزها الى الاهداف الثانوية مثل الحفاظ على التراث من اللغة والعادات والتقاليد وغيرها نظرًا لسهولة تطبيقها على الفرد الشركسي وتكوين قناعة لديه بانه إذا اتقن اللغة أو الرقص أو غيرها من الامور الثقافية فإنه قام بواجبه القومي والوطني اتجاه قضية شعبه، بدلًا من التركيز على تطوير الكيانات السياسية الشركسية في القفقاس والعمل على تحقيق التنمية وتطوير مؤسساتها هناك بما يخدم بقاء الشعب الشركسي كونه المجهود الأكثر واقعيةً ومنطقيةً فمثلًا كان المهجر بكل امكانياته و قدراته وتركيزه على الموروث الثقافي غير متمكن من تحقيق المنجزات الادبية مثل تلك التي تحققت في الجمهوريات الشركسية ويمكن هنا مقارنة عدد الأدباء والشعراء ومراكز تطوير وتحديث اللغة لمعرفة الفارق الكبير بين المهجر والوطن، والسبب ان تلك الامور الثقافية من اللغة وغيرها بحاجة الى اطار واسع لكي يتم استخدامها و تطبيقها وتتطور فيه وتنمو وهو غير متوفر في المهجر الشركسي ولكنه بطبيعية الحال متوفر في الكيانات السياسية الشركسية وهنا كان الخطأ الشركسي الواضح في اعتناق تلك القومية التقليدية بدلًا من اعتناق القومية المتكاملة الفعالة غلى ارض الواقع.

ندرك تماما بان احداث تغيير في طريقة تفكير الشعب الشركسي هي مهمة صعبة في ظل ظروفه وحياته ما بين أغلبية تعيش في المهجر بعيدًا عن الوطن وبين أقلية تعيش في الوطن وكما قال لیمان آبوت: "إن نصف المثقف هو أخطر أنواع البشر لأنه بمعرفته الزائفة، التي يهيأ له أنها معرفة الحقيقية ستقوده إلى سفسطة خطيرة سيثير بها إعجاب الجهلة فقط!." إلا أن عملية تغيير الافكار هذه ترتبط ايضا بما ذهب اليه غوستاف لوبون في كتابه الشهير سيكولوجية الجماهير عندما اكد بأن: "الجماهير لا تعقل فهي ترفض الأفكار أو تقبلها كلا واحدًا، من دون أن تتحمل مناقشتها حيث تميل الجماهير الى الاندفاع وراء عواطفها وتكون أقل قدرة على التفكير العقلاني." ولهذا فإنه من الطبيعي أن نجد رفضًا لأي تغيير في طريقة وأسلوب تفكير الشعب الشركسي الذي ومنذ العام 1864 كما اوضحنا سابقٍا لا يزال يصر على اعتناق القومية التقليدية رغم فشلها تاريخيٍا واندثارها إلا ان كلفة التغيير ما يزال هذا الشعب غير قادر على تحملها وسيكون هناك وقت طويل حتى تنشأ تلك القناعة نحو التغيير نحو القومية المتكاملة، في ظل العولمة الحالية وسهولة ما تقدمه القومية التقليدية المندثرة فإننا أمام شوط طويل من العمل التوعوي القومي.

إن القومية المتكاملة في الحالة الشركسية تتمثل بمشروع العودة بمختلف أبعاده سواء كان من أجل العودة بصورة كاملة أو الدراسة أو الاستثمار أو حتى السياحة، المهم ان تكون المحصلة النهائية هي الاستقرار في الوطن مرة أخرى، فكما كان الشعار إبان عملية التهجير يقول "أولكم الشام و أخركم الشام" فإنه أصبح لزامًا علينا اليوم ان نرفع شعار "أولكم وأخركم القفقاس" وغير ذلك يعني الاندثار.

الدكتورعلي كشت

 


المراجع:

1) المصري، سارة (2019) لماذا تنجح القومية في كل شعوب العالم؟ الجزيرة نت.

2)Anderson, Benedict. May-June 2001. “Western Nationalisms and Eastern Nationalisms: Is There A Difference That Matters.” New Left Review. pp. 31-42

3) أوزكيريملي، أوموت (2013) نظريات القومية- مقدمة نقدية ،ترجمة: معين الإمام ، الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

Comments


Commenting has been turned off.

نموذج اشتراك

اشترك ليصلك كل جديد!

  • Facebook
  • Instagram
  • YouTube

©2024 by Dr Ali Kasht official website.

bottom of page